حكايات من الذاكرة بين رمضان الأمس و رمضان اليوم

يمنات
محمد المخلافي
أستيقظتُ اليوم قبل الظهر، أتصفح هاتفي وأبحث عن فكرة أكتب عنها. عادة ما أحرص على نشر مقال واحدٍ على الأقل كل أسبوع، لكنني اليوم أشعر بالارهاق وتشتت الذهن. فرغم أنني بلا عمل في هذه الفترة ولدي الوقت الكافي، تبدو الكتابة صعبة. وكأن الكلمات فقدت شيئا من رونقها وأصبحت متعبة، أو ربما لأن الواقع صار أكبر من أن يحتويه مقال.
رمضان هذا العام يبدو مختلف على نحو واضح. ملامح التعب باتت ظاهرة على وجوه الناس في كل مكان، مثقلة بهمومٍ لا تخفى على أحد.
المتسولون يتزاحمون في الشوارع أمام محلات الصرافة والمساجد، وهناك من يتجه إلى البيوت بحثا عن لقمة يسد بها جوعه. أما أغلب الناس في بيوتهم، فيواجهون واقعهم المرير بصمت.

في السابق، كان المتسولون غالبا من كبار السن الذين لا يجدون من يعيلهم وبعض المهمشين. أما اليوم، فالمشهد مختلف تماما وأكثر إيلاما، فتيات في مقتبل العمر، وأمهات يحملن أطفالهن، وصغار يمدون أيديهم من أجل البقاء.
وبين هذه الحالات المؤلمة، رأيت ليلة البارحة مشهدا لم يفارق ذهني، فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها اثنتي عشرة سنة اقتربت مني أمام أحد المحلات تطلب مني مساعدة.
سألتها: أين والدك؟
قالت بصوت خافت: توفي.
ثم أخبرتني أن أمها مريضة في البيت، وأن لديها ثمانية إخوة صغار ينتظرونها. قالت إنهم يعيشون في شقة صغيرة متهالكة في البدروم. وأضافت أنها خرجت بعد أذان العصر تطوف في الشوارع لعلها تجد من يساعدها، لكنها حتى تلك الساعة لم يقع في يدها سوى ثلاثمئة وخمسين ريالا. وهو مبلغ لا يكفي لشراء سحور لأسرتها.
سألتها إن كانت قد تناولت وجبة الفطور، فقالت إن إحدى السيدات أدخلتها إلى بيتها وقدمت لها الطعام، لكنها خافت وغادرت بسرعة.
بقيت أنظر إليها وأنا أفكر في قسوة هذا المشهد. طفلة في هذا العمر، وبهذه البراءة، تقف وحدها في الشارع في ساعة متأخرة من الليل، تبحث عن لقمة تسد بها جوع أسرتها، في مدينة لا تخلو شوارعها من المضايقات والمخاطر.
بالإضافة إلى أجواء الحرب التي تخيم على المنطقة، تتسع الصراعات، وتتحرك قوى كبرى بأساطيلها وجيوشها، مع أحداث قد تنتج أزمات في البترول والغاز و ترهق الاقتصاد العالمي. وبين هذه الدوائر المتشابكة يقف بلد مثل اليمن مثقلا بأزماته القديمة، كأنه يعيش دائما على هامش العاصفة، لكنه يتلقى آثارها كاملة.

وسط هذا الواقع الثقيل، وجدت نفسي أعود بذاكرتي إلى أكثر من عقدين من الزمن في مدينة عدن. عندما كنت طالبا في الجامعة وأعمل في الوقت نفسه. كانت تلك السنوات مختلفة في إيقاعها وحيويتها، على عكس ما نشاهده اليوم من وجوه مثقلة بهموم الحياة.
كنت أستيقظ قرابة التاسعة صباحا، ثم أتجه إلى مكتبي في سكرتارية مدير أمن محافظة عدن، حينها كان العميد الركن محمد صالح طريق – حفظه الله وعافاه وأطال في عمره – مديرا لأمن المحافظة. كان رجلا وطنيا من الدرجة الأولى، معروفا بانضباطه وحرصه على متابعة كل ما يتعلق بالشأن الأمني بدقة.
كنتُ أعمل مسؤولا إعلاميا، أتصفح يوميا ما يقارب اثنتي عشرة صحيفة، وأضع إشارات على الموضوعات التي تتعلق بالأمن أو تتناول عمل الأجهزة الأمنية في المحافظة. بعد ذلك أفرز المواد التي تحتاج إلى رد أو توضيح، فأقوم بإعداد الردود المناسبة أو صياغة التعقيبات الإعلامية، ثم أعرضها على المدير.
بعد ذلك، أتجه إلى الكلية للدراسة حتى الرابعة عصرا. أتذكر أحد مرة في نهار رمضان جلست مع مجموعة من الزملاء والزميلات تحت الأشجار في ساحة الكلية، نتحدث عن العادات والتقاليد الرمضانية في عدن. حدثوني عن طقوس استقبال رمضان بكل تفاصيلها، بينما كانت زميلاتي يتحدثن بحماس عن تحضيرات المطبخ والأطباق التي تحرص العائلات على إعدادها في هذا الشهر.
وفيما يلي أشارككم نسخة من مقالي باللغة الإنجليزية كما نشر عام 2001 في صحيفة اليمن تايمز، لاستحضار أجواء رمضان في عدن آنذاك. حينها كنت أنشر كتاباتي باسمي الكامل محمد سعيد المخلافي، قبل أن أختصره لاحقا إلى محمد المخلافي.
Features of Ramadhan in Aden [Archives:2001/50/Culture]
archive
December 10 2001
Mohammed Saeed Al-Mekhlafi
Aden
This great city, Aden, has come again and haunted our memories; it is embossed with its specialties. Smile is clearly marked on its lips, standing vigorously and stretching its hands in order to clutch Shamsan Mountain, which seems at first sight as if it were a guard protecting it.
This city, together with its humble people, celebrates the approach of the holy month in which Holy Qur’an was descended upon the Prophet Mohammed (peace be upon him). It is said that the doors of paradise are open during this month; Satan is chained and hell’s doors are closed. The first ten days of this month are for mercy, its middle days are forgiveness and the last ten days are of hell.
Here in Aden the people chant and sing in praise of God during the approach of the holy month. We see children, on the other hand, playing with firecrackers, which signifies their great joy. People of different classes, the rich and poor alike, prepare themselves spiritually, religiously and materially and go shopping to buy their needs for this honorable guest.
In this city, food is variegated. During the dusk prayer, the time when fasting ends, people have special food to eat, such as dates, coffee, and some fried foods. After the dusk prayer, people have different kinds of food, such as shafoot (soaked bread with yogurt), marjoram, mashed soup and different kinds of drinks, such as mango juice and lemonade. Then they rest until the night prayer and taraweeh prayers, after which they have their supper. Supper in itself is rich in its nourishing value. Then they have some sweets and pancakes.
At the same time we find the mosques swarming with people to perform the five prayers and praising God by day and night seeking His forgiveness without monotony. We find them together at one dining table, at which poor and rich people are equals receiving a new day and bidding farewell to another day.
In conclusion, this month is not the month of allocating different kinds of delicious meals, nor is it customary for the majority of people to sleep and watch satellite television for long hours. It is the month of worship and gaining God’s favor. It is the month in which there is a day which is better and of greater significance than one thousand months, it is called Al-Kadr Night. May God respond to our fasting! Amen! Amen!
وقبل أذان المغرب، كنا نتجه إلى منزل مدير مكتب مدير الأمن، إبراهيم المخلافي، الذي يقع على ظهر جبل حديد باتجاه مدينة المعلا، لتناول الفطور. كان يقدم لنا أطباقا شهية ومختلفة من الاكلات التعزية فتة بالمرق مع سمن بلدي وسحاوق بالجبن التعزي وأطباق أخرى على طول الديوان، ونشاهد مسلسل طاش ما طاش الرمضاني في أجواء مليئة بالضحك والمزاح.

أحيانا كان صديقي، المقدم بدر شطارة، الرجل الطيب، يدعوني إلى منزله في حي العيدروس بكريتر، وكان منزله عبارة عن صندقة متواضعة من ألواح خشبيه على السطوح. كان يجيد تحضير شربة الكوارع، وكنت أستمتع بالجلوس معه، نتبادل الحديث الودي ونقضي وقتا ممتعا.
وعند التاسعة مساء، كنت أتجه إلى مدينة كريتر للقاء زميلي محمد شبير. كنا نتجول في شوارع وأزقة كريتر، و نجلس في مقهى سكران نحتسي الشاي العدني الملبن، ونتبادل الأحاديث والضحكات والمزاح. كان الناس حولنا من مختلف الأعمار، وحتى كبار السن يلعبون الضمنة، تتعالى أصواتهم وضحكاتهم، بينما الأطفال يمرحون ويلعبون على طول شارع البز.
كنا نقضي أوقاتنا على هذا النحو حتى منتصف الليل، ثم أعود إلى سكني في إدارة الأمن بخور مكسر، في غرفة صغيرة أشاركها مع صديقي الملازم فهد المقطري. بعد الوصول، أراجع دروسي، و أتناول السحور، ثم أخلد إلى النوم حوالي الثانية بعد منتصف الليل.
أما مساء الخميس فكان له نكهة مختلفة. كنا نلتقي في شقة صديقي معتصم العديني في العمارة المثلثة القريبة من مبنى كلية التربية بخور مكسر، وهي عمارة بنتها روسيا وتتكون من مئة وعشرين شقة في أربعة طوابق على شكل مثلث.
كانت الشقة تفوح برائحة البخور العدني، ونجتمع هناك مع أصدقائي: الأستاذ عبدالرحمن القيشائي، الذي درّسنا مادة الديداكتيك (طرق التدريس) باللغة الفرنسية، وبلال الخليدي، وأحمد زاهر، ومعاذ مغلس ـ رحمه الله، ورفيق الحميدي، الطالب المناضل الذي، إلى جانب دراسته للغة الفرنسية في كلية الآداب، كان يدرس أيضا في معهد أمين ناشر تخصص أشعة. كان يحمل حقيبته معه دائما، يتنقل من مكان إلى آخر، ولم يكن له سكن محدد.
كنا نقضي أجمل الأوقات هناك، نستمع إلى صوت معتصم العديني وهو يصدح بالتواشيح الدينية، وأحيانا يغني لكاظم الساهر وعبدالحليم حافظ، وسط أجواء مليئة بالدفء والصداقة والموسيقى.
قبل يومين من العيد، كنت أسافر إلى قريتي كندة في مخلاف شرعب شمال مدينة تعز لقضاء إجازة العيد. وفي إحدى المرات، رافقني صديقي الفرنسي سبستيان دوليديك، أستاذي في الجامعة. وصلنا إلى القرية قبل صلاة المغرب، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، تتساقط منها قطرات خفيفة من المطر، كأنها تُبارك قدومنا.
عند سوق القرية، تجمع الناس حولنا بفضول ودهشة، يرحبون بنا ويسألونني: من هذا؟ فأجبتهم: هذا صديقي سبستيان من فرنسا، جاء معي لزيارة ريف تعز. أبدى الناس إعجابهم، ثم رحبوا به بحرارة.
كان سبستيان يحترم طقوسنا الدينية، كان يرفض تناول الطعام في نهار رمضان، ويكتفي فقط بشرب الماء والتدخين خفية.
بعد صلاة العصر كنا نخرج إلى سوق الحصين لشراء القات، ثم نتجه بعدها إلى الوادي، وأحيانا إلى الجبل مع وأولاد القرية ، نلتقط الصور معهم.
كان بعض أهالي القرية يستوقفوننا في الطريق ويحاولون إدخال سبستيان في الإسلام. أتذكر سعيد عبده الولي، من أفضل رجالات القرية، معروف بكرمه وطيبة قلبه، حفظه الله ورعاه، كان يقول له: ردد بعدي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وكان سبستيان يردد بعده.
لاحقا، اعتنق سبستيان الإسلام، وغير اسمه إلى محمد، وتزوج من عدن.
أما في المساء، فكنا نمضغ القات في ديوان محمد حمود ابن أختي مع أبناء القرية في أجواء جميلة. كان سبستيان يتحدث العربية إلى حد ما، وكان يعجبه الاستماع إلى محمد عبد القيسي متعه الله بالصحة والعافية وهو يصدح بصوته الجميل، ينكت ويغني. قضينا خمسة أيام في القرية، ثم عدنا إلى عدن.
في تلك السنوات كان الأجانب يملأون المدن والأماكن الأثرية والسياحية، أما اليوم غابت كل هذه المشاهد، وكأن العالم توقف عن ملاحظة حياة الناس هنا.

وأنا أكتب هذه السطور، لا يسعني إلا أن أشعر بمزيج من الحنين والحزن. الحنين لزمن كان فيه رمضان يحمل نكهة الفرح البسيط، والضحكات الصافية، والوجوه المضيئة بالرضا، والحزن لما نراه اليوم من تعب ووجوه مثقلة بهموم الحياة. تذكرت كل تلك اللحظات الصغيرة، من شوارع كريتر إلى قريتي، وكل الأصدقاء الذين شاركوني أوقاتا لن تُنسى، وصرت أدرك أن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تحتفظ بلحظات صغيرة تجعلنا نبتسم.